الصيد التقليدي وانعكاسات تصنيف شبه قطاعه في بلادنا (مقال)

7:13 م, الثلاثاء, 26 أكتوبر 2021
الصيد التقليدي وانعكاسات تصنيف شبه قطاعه في بلادنا (مقال)

 

الدكتور سيدي المختار ولد الطالب هامه

 

ليعلم القارئ أن المادة 6 من القانون رقم 2015ـ017 الصادر بتاريخ 29 يوليو 2015 المتضمن مدونة الصيد البحري تنص على أن الصيد التجاري يتألف من: الصيد التقليدي والصيد الشاطئي وصيد الأعماق في عرض البحري.

وليعلم أيضا الجميع أن هذا المقال يقتصر على معالجة شبه قطاع الصيد التقليدي الذي يكثر الحديث عنه هذه الأيام في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الدوائر الرسمية وشبه الرسمية بمناسبة تعديلات قد يدخلها بخصوصه قانون الميزانية 2022.

وما جاء هذا المقال وفي هذا الظرف بالذات إلا ليساعد في فهم ما يجري عبر التذكير بمفهوم الصيد التقليدي ولكن دون الدخول في تفاصيل التعريفات الشائعة أو المتعارف عليها في بعض الدول ومنها تلك المجاورة والتي لديها تقليد تاريخي في مجال البحر ومهنه من جهة وعبر تقديم موجز لواقعه أو حقيقته حاليا مع التركيز على قضايا وإشكاليات سيتم في نهاية المقال تقديم مقترحات حلول بشأنها، وذلك من جهة أخرى.

بخصوص النقطة المتعلقة بما ذا يعني مفهوم الصيد التقليدي أو الصيد الحرفي لا يوجد تعريف موحد معتمد من طرف منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الفاو (FAO) المتخصصة في قضايا الصيد عامة أعني أن هذه المنظمة لا تلزم الدول الأعضاء باتباع وتطبيق تعريف موحد للصيد التقليدي ولذا نرى التعريفات تتعدد وتختلف من منطقة إلى منطقة ومن دولة إلى أخرى.

بالنسبة لموريتانيا كان النشاط الذي يمكن أن يطلق عليه مفهوم الصيد التقليدي ينحصر فيما مارسوه إيمراكن في الساحل الشمالي الموريتاني وسكان انجاكو ومناطقهم في غرب البلاد نحو الحدود مع السنغال ثم أهالي ضفة النهر والساكنة المحيطة ببحيرات داخلية دائمة مثل اركيز ولبحير وكنكوصه وغيرها. أما اليوم فآخر نص يعرف الصيد التقليدي هو المرسوم رقم 159 ـ 2015 المطبق للقانون 017 ـ 2015 بتاريخ 29 يوليو 2016 المتضمن مدونة الصيد البحري ويقول: “يعتبر صيدا تقليديا كل نشاط صيد يمارس على الأقدام أو بواسطة سفن مسطحة أو غير مسطحة بطول إجمالي يقل أو يساوي 14 مترا بدون محركات أو بمحركات ذات قوة أقل أو تساوي 150 حصانا، وتستخدم فيه آليات صيد يدوية باستثناء شبكة التطويق المنزلقة؛ ويشمل الصيد التقليدي أربع فئات هي رأسيات الأرجل (الرأس قدميات) والقشريات وأسمك الأعماق وأسماك السطح”.

وفي هذا التعريف يلاحظ عدم الاهتمام لا بوجهة المنتوج والهدف من اصطياده ولا بوسائل وطرق حفظ المنتوج أو المنتج على متن السفينة ولا بالعلاقة بين البحار الصياد والسفينة أعني هل قبطان السفينة هو مالكها أو مجرد أجير يعمل لصالح سماك أو صاحب مصنع أو غيرهما.

فيما يتعلق بالوضعية الحالية لشبه قطاع الصيد التقليدي فهي للأسف الشديد لا تتناسب والأولوية التي أولته الدولة ضمن سياسات واستراتيجيات قطاع الصيد منذ 1979وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن قرار الدولة لم يكن مبررا إذ الصيد التقليدي نشاط لا تتطلب مزاولته رأس مال كبير ولا يحتاج تشغيل سفنه خبرة كبيرة لعدم استخدام وسائل إنتاجه أنواعا معقدة من التكنولوجيا ولأن مناطق مزاولة عمله خاصة ومحدودة جغرافيا؛ وله أيضا دور كبير في خلق الثروة وتوفير فرص للعمل ودعم سياسة الدولة الرامية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء (الأمن الغذائي).

 

والعارفون بخفايا قطاع الصين يقولون إن تلك الأسبقية أو الأولوية سرعان ما حولت شبه القطاع إلى فوضى رآها الجميع تزداد باضطراد كلما ظهرت المردودية وازداد عدد اللاعبين وتنوعهم تحت الأحكام التي تعاقبت على البلاد.

وعلى الرغم من عدم الرضى عن واقع شبه قطاع الصيد التقليدي اليوم فإن الدولة ماضية في دعمه وتطويره عبر رسم جملة من الأهداف في استراتيجية القطاع 2020ـ2024 وفي برامج أولوياتي وأولوياتي الموسع وعبر خطة عمل أعدتها وزارة الصيد والاقتصاد البحري ترجمة للبرنامج الرئاسي بشقيه.

ويعلق مهنيو الصيد التقليدي آمالا على هذه الإرادة الجديدة وعلى الجهود التي ستبذل ميدانيا في القضاء على عدة عوائق من أهمها:

وجود جهد صيد كبير أصبح يهدد مستقبل الثروة نتيجة المفهوم الخاطئ للتشجيع الدائم للصيد التقليدي في كل سياسات القطاع (الفوضى وغياب التأطير وعدم السيطرة على تطور وسائل الإنتاج: في 2018 قالت الوزارة أن أسطول الصيد التقليدي يتكون من 9273 وحدة والمعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد يقول 6800 وحدة والمهنيون يدعون في الحالتين أن لديهم 1500 زورقا تقليديا لم يتم ترقيمها؛

التداخل الحاصل بين الصيد التقليدي والصيد الشاطئي بحيث نرى العديد من سفن الصيد الشاطئي تحصل على رخص في ظروف مماثلة للصيد التقليدي على الرغم من وجود سجلات لتقييد السفن ومواصفاتها الفنية وفرضية وجود سلك للمراقبين والمفتشين يتبع للبحرية التجارية ومهمته مراقبة ورشات بناء السفن واحترام التقسمة الحاصلة أعني صيد تقليدي وصيد شاطئي وصيد أعماق لا سيما عند الحصول على الرخصة أو “الليصانص”؛

صعوبة التمييز بين من يمارس الصيد التقليدي بسفينته الخاصة وبين من يعمل لصالح سماك أو صاحب مصنع سعيا لضمان التموين بمادة السمك أو من يعمل لصالح رجل أعمال اختار تنويع استثماراته من أجل التربح؛

ضعف جدوائية أو نتائج ما قدمته الدولة من دعم لصالح الصيد التقليدي نتيجة تبديده بين من لا يستحقونه والفوضى التي ما زالت تطبع شبه هذا القطاع: الكل يتذكر القروض وآليات وأدوات وتجهيزات الصيد  التي كانت تقدم من طرف الدولة وشركائها كما يتذكر الجميع من كان المستفيد الحقيقي من وراء محطات توزيع المحروقات المدعومة؛

تخلي غالبية إيمراكن وسكان انجاغو وهي المجموعات التي لها تقليد حقيقي في ممارسة الصيد التقليدي البحري عن أنشطة الإنتاج وتحولها تدريجيا إلى سماكة أو منمين أو مهاجرين إلى المدن للبحث عن عمل يتقاضى صاحبه راتبا شهريا؛

تنامي وجود شركات ومجموعات تنافس المواطنين على مستوى مختلف شعب قطاع الصيد التقليدي : شركات قوية ماديا أو تتمتع بمزايا خاصة وصيادين أجانب يحملون أوراق مزورة  في بعض الحالات ويعملون تحت حماية متنفذين في الدولة ومن المهنيين والمنتخبين وغيرهم وهي أمور شجعت على عدم الامتثال للقانون أو انتشار التراخيص الاستثنائية     dérogations  أو مخالفته القوانين نهارا جهارا ،

أنتشار شركات دقيق وزيت السمك والتي يقال عنها أنها أجنبية واقعيا في معظمها وتعمل تحت أسماء موريتانية ظاهريا ومن الآثار السلبية لهذا النوع من الشركات:   ـ قلة تموين السوق بتوجيه غالبية الإنتاج إلى موكا

ـ تشجيع التوجه إلى مضاعفة الإنتاج على حساب ديمومة الثروة

ـ العودة إلى نظام تأجير السفن و هو ما يتعارض مع سياسة توطين أنشطة الصيد التقليدي عبر تطوير أسطول وطني ويد عاملة موريتانية مؤهلة؛

ـ ابتعاد السفن (التقليدية والشاطئية) عن وسائل حفظ المنتوج (الثلج و RSW) لأن موكا تأكل الأخضر واليابس؛

ـ تلوث البيئة وإلحاق الضرر بصحة الإنسان.

وما تركيز السلطات العمومية على حل هذه النواقص إلا لعلاقتها بالأهداف التالية للاستراتيجية الحالية للقطاع:

ـ تنمية أسطول وطني فعال ؛

ـ تكوين يد عاملة ماهرة كافية قادرة على اصطياد مختلف أنواع ثروتنا البحرية ؛

ـ رفع شبه قطاع الصيد من نشاط غير مصنف إلى نشاط مصنف وحديث ؛

إـ دخال نظام البيع بالمزاد لمساعدة صغار المنتجين وضبط إحصائيات الصيد: جهد الصيد والإنتاج والأنواع المصطادة ….إلخ,

ـ ترقية صناعات تحويلية حقيقية ذات قيمة مضافة مرتفعة تحل محل مصانع دقيق وزيت السمك الحالية الكارثية،

ـ إيجاد آليات تمويل ملائمة لظروف الصيادين التقليديين وقادرة على فك رقابهم من أسر السماكين وأصحاب المصانع وغيرهم من المستثمرين الكبار.

إنها أهداف نبيلة تدخل في صميم اهتمامات كل مهني ربط حاضره ومستقبله بنشاط الصيد البحري ويأمل المحافظة على ديمومة الثروة وقدرا من العدالة الاجتماعية قوامها الشفافية والإنصاف.

ومساهمة منا في هذا الإطار نقترح مراجعة مفهوم الصيد التقليدي بحيث تتم، علاوة على ما ورد في المرسوم رقم 159 ـ 2015، إضافة شرط وسائل حفظ المنتوج وعلاقة الصياد بالسفينة، وهناك حالتان بالنسبة لهذا الشرط الأخير:

الحالة الأولى: الصياد أعني القبطان هو مالك السفينة ويجب أن يتمتع بكل التسهيلات من طرف الدولة وأولها أن تتكفل الشركة الوطنية لتوزيع الأسماك والشركة الموريتانية لتسويق الأسماك (كل حسب طبيعة المنتوج ووجهته) بشراء إنتاجه بسعر المزاد العلني اليومي وبتزويده بالمحروقات المعفية من الضرائب ثم كافة حاجياته للخروج إلى الصيد يوميا.

الحالة الثانية: السفينة لموريتاني سماك أو صاحب مصنع أو مجرد مستثمر اختار الصيد التقليدي والطاقم كله موريتاني؛ هنا لا أرى مبررا لتقديم أي نوع من الدعم اللهم إذا وجه الإنتاج للسوق المحلية عبر بيعه للشركة الوطنية لتوزيع الأسماك من خلال اتفاقية موثقة وكان المنتوج في ظروف جيدة والثمن يحدده المزاد العلني أو أي طريقة أخرى شفافة (هنا يمكن تخفيض البنزين أو حقوق الولوج أو هما معا)؛

والمساهمة الأخيرة في هذا الموضوع الشائك تكمن في لفت انتباه السلطات العمومية إلى أن الأموال الطائلة التي خسرتها الدولة وتخسرها اليوم تحت شعار “الأولوية لقطاع الصيد التقليدي” لن تتوقف إلا باتخاذ قرارات أذكر منها فقط على سبيل المثال:

ـ إيجاد إرادة حقيقية لتطوير شبه قطاع الصيد التقلييدي على أسس تضمن استقلال بلادنا في استغلال أنواع الثروة التي تدخل تحت هذا المسمى “الصيد التقليدي”؛

ـ تطبيق القوانين بصرامة والحد من التراخيص أو الرخص الاستثنائية؛

ـ تطبيق الشفافية والإنصاف على جميع المستويات وفي كافة المجالات؛

ـ زيادة حصة الصيد التقليدي بعد تصنيفه الجديد من الرخويات والقشريات وخاصة الأسماك؛

ـ القضاء على نظام تأجير السفن في مجال الصيد التقليدي المصنف وعلى تشغيل الأجانب فيه؛

ـ تقليص عدد السفن المؤجرة في مجال الصيد الشاطئي مع فرض وسائل التبريد (الثلج وRSW) في انتظار تطوير أسطول وطني بالمواصفات المطلوبة؛

ـ توجيه الشركة الموريتانية لبناء السفن إلى الحد من إنتاج سفن صيد الأخطبوط والتوجه إلى أنواع أخرى ملائمة لاصطياد مختلف عينات الثروة البحرية لاسيما الأسماك منها؛

ـ خلق البنية التحتية الملائمة للعمل ميدانيا بنظام البيع عبر المزاد العلني؛

ـ خلق وتطوير صندوق ضمان اجتماعي للصيادين التقليديين يتولى أيضا تعويضات أو تقديم مساعدات في بعض الحالات مثل التراجع الكبير للإنتاج بسبب الكوارث الطبيعية وتعويض المنسحبين من الصيد ضمن سياسة تخفيض جهد الصيد على الثروة إلخ.
أخيرا أتمنى على الدولة أن توقف كل الدعم الذي تقدمه لقطاع الصيد عموما في مجال المحروقات بعد أن تقوم بعملية حسابية لقيمته وأن تقوم بعد ذلك بنزع نفس المبلغ عن القطاع من جهات أخرى خاصة بالصيد وأهله: حقوق الولوج والضرائب الأخرى الكثيرة.