موريتانيا: مرضى الفشل الكلوي والصراع مع كورونا / محمد سيدي

3:25 م, الخميس, 5 أغسطس 2021
موريتانيا: مرضى الفشل الكلوي والصراع مع كورونا / محمد  سيدي

أصوات موريتانيا

مولاي أحد مرضى الفشل الكلوي في العاصمة نواكشوط،وأحد الذين حطوا الرحال قبل فترة من رحلة علاج بالسنغال لم تتكلل بالنجاح،وهو إلى جانب ذلك أحد الذين يرتادون عيادة الحياة الخاصة من أجل التصفية منذ أكثر من ثلاث سنوات،ما زال يستحضر بدقة كل تفاصيلها من اليوم الأول حتى يومه هذا وهو يخطو بخطوات الواثق الذي يسير على أمل أن تكون شمعة في آخر النفق،وهو يتحدث عن تجربته بعيون ثاقبة تتمنى الشفاء ذات يوم قائلا:
“عيادة الحياة أصبح لها مكانها الخاص بقلبي،لا أكذب عليكم إذا قلت بأنها أصبحت منزلي الثاني،حيث أقضي بين جدرانها الأربعة خمسة عشر ساعة مقسمة على ثلاثة أيام،ورغم ما قد يصاحب تلك الأيام من علاج ومعالجة إلا أنني أجدني مرتبطا بهذا المكان،ربما لأنه أملي الوحيد في الشفاء،وربما لأن هذه الأروقة هي التي سأسلك ذات يوم بإذن الله وقد شفيت تماما،لدي أمل كبير في الله عز وجل،وأعلم علم اليقين أن شفائي ليس عليه بعزيز”.

تزايد عدد المصابين بالفشل الكلوي في موريتانيا بشكل كبير،الأمر الذي أشارت له الجمعية الموريتانية لأمراض الكلي قبل فترة،حيث أكدت أن الذين يصابون بالفشل الكلوي يصلون أربعة عشر حالة في الشهر على عموم التراب الوطني،ولم يكن سيدي الثلاثيني الذي كان على أعتاب معانقة حلمه بعد التخرج من الجامعة إلا حالة من تلك الحالات،فبعد أن كان يحضر للسفر خارج البلاد كان للقدر رأي آخر،حيث كشفت الفحوصات الطبية عن إصابته بالفشل الكلوي،الخبر الذي وقع عليه كالصاعقة،ولم يكن أمامه من قوة ولا بأس غير التسليم بقضاء الله وقدره،بما في ذلك خيره وشره،وهو يقول عن أيام التصفية بعد ظهور كوفيد في موريتانيا خلال شهر مارس من السنة قبل الماضية:
“كان تقبل الأمر في البداية صعبا جدا،أن تستيقظ فجأة لتجد أن حياتك قد قلبت رأسا على عقب،وبأن كل ما رسمته وخططت له من مستقبل أضحى بين عشية وضحاها كأن لم يكن،كل ما كتبته أضحى ككتابة على الرمل،ومع ذلك فإيمانك يحثك على الصبر والتسليم،غير أن التحدي الذي نعيش على وقعه كل يوم تشرق فيه الشمس،زاد حدّة عندما ظهر كوفيد،حيث توقفت أنشطة كثيرة وظهر حظر التجول الذي وافق أحيانا أوقات التصفية،ومع ذلك فقد كان تدخل الدولة مساعدا إلى حد ما،وإن كان دون المستوى في بعض المرات”.

الدولة الموريتانية ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية والطفولة والأسرة،أعربت خلال كوفيد عن جملة من المساعدات الموجهة لصالح مرضى الفشل الكلوي،من أجل مساعدتهم في محنتهم التي تضاعفت مع ظهور كورونا،فجاء الإعلان عن المساعدات المالية التي استفاد منها 683 من مرضى الفشل الكلوي على عموم التراب الوطني،من خلال الشباك الآلي لمراكز مؤسسة البريد بنواكشوط،هذا إلى جانب توفير باصات للنقل خلال وقت حظر التجول الليلي،ويؤكد الدكتور حمادي ولد عابدين أخصائي أمراض الكلى وأحد العاملين بالعيادة الخاصة التي يرتاد مولاي(عياة الحياة)،أن مرضى الفشل الكلوي كان لهم نصيب الأسد من التأثير الذي تركه كوفيد ويزيد:
“كان ظهور أول إصابة بالفيروس من بين المرضى صادما بالنسبة لنا،ولم يكن أمامنا من الخيارات المتاحة غير حجز كل المخالطين من مرضى ومرافقيهم،ثم توالت الإصابات بعد ذلك،إلا أننا تجاوزنا الموجة الأولى بأقل خسائر ولله الحمد،رغم ضعف المناعة لدى مرضى الفشل الكلوي”.

ظهور الإصابات في صفوف المصابين بمرضى الفشل الكلوي،شكل منحى جديدا لهذه الفئة،في ظل ما أثير من أخبار حول نجاعة المناعة ضد كوفيد،ودورها الحاسم في البقاء وعدم التأثر من المضاعفات التي تصاحب الإصابة،تقول الناشطة الجمعوية مريم منت أمغمبج رئيسة تجمع داعمي مرضى الفشل الكلوي:
“لا يختلف من كان على ما يعانيه مرضى الفشل الكلوي وما يعيشونه يوميا من تفاصيل تغيب عن كثير من الناس،وأن ينضاف فيروس كورونا لذلك فهي الطامة الكبرى إن جاز التعبير،لذلك فقد عملنا على التوعية والتحسيس قدر المستطاع،سعيا لضمان عدم إصابة أكبر عدد من هذه الفئة التي لا تمتلك مناعة ضد الفيروس،وأجسام أصحابها قد أنهكها المرض،والحمدلله أنه خلال الفترة الماضية وُفقنا إلى حد كبير في هذه المهمة التي كانت في بدايتها صعبة”.

الخوف من الإصابة بكوفيد كان له ما يخصه مع المصابين بالفشل الكلوي،نظرا لظروفهم التي تختلف عن الناس العادية بكل تأكيد،يقول محمد محمود عن الأمر:
“لقد كانت فترة خاصة من فتراتنا في هذه الدنيا الفانية،عشنا مع الشعور بالخوف كل يوم،بل كل دقيقة ولحظة وثانية،نظرا لعلمنا ووعينا بخطورة هذا الوباء وفتكه وقدرته على التفشي،لذلك اتخذنا كافة الإجراءات الاحترازية التي تمنع الإصابة به،وبالفعل آتت هذه الإجراءات أكلها خلال الفترات الماضية،والآن مع الموجة الجديدة وتعجيل وقت حظر التجول،فإننا نأمل أن تأخذنا الحكومة على محمل الجد،وأن توفر لنا ما يضمن التصفية في الوقت المحدد”.

يشكل مرضى الفشل الكلوي حالة استثنائية في ظل حرب البقاء ضد فيروس كورونا،ما يستدعي وفق المهتمين رعاية وظروفا خاصة تمنع عدم وصول الفيروس لهذه الفئة،التي قد يكبد أصحابها خسائر كبيرة،ما يجعل المسؤولية الملقاة على كاهل الجهات المختصة كبيرة،خاصة وأن البلاد تعيش على وقع موجة ثالثة متحورة أقوى من الموجات السابقة وفق الخبراء.

تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا.