موريتانيا: مسح زجاج السيارات … قبلة الأطفال الجديدة للعمل.

5:37 م, الجمعة, 18 يونيو 2021
موريتانيا: مسح زجاج السيارات … قبلة الأطفال الجديدة للعمل.

اموه احمدناه

ليس غريبا في العاصمة نواكشوط أن يقع نظرك على مجموعة من الأطفال عند ملتقيات الطرق،بعد الانتشار الواسع الذي عرفته عمالة الأطفال خلال السنوات الأخيرة،رغم الخطط والاستراتيجيات الرامية لوضع حد لهذه الظاهرة التي عمت بها البلوى.

محمد گي”13عاما” أحد الأطفال الذين اتخذوا من ملتقى طرق وسط العاصمة نواكشوط سبيلا لتحصيل المال،حيث يبدأ دوامه الذي لا يتبع لأي قواعد ولا التزامات منذ ساعات الصباح الأولى حتى المساء،يتأبط قنينة وضع بها مسحوقا لأجل تنظيف زجاج السيارات،وهو يتحدث عن عمله الصغير فيقول:
“لا أعرف بالضبط الزمن الذي بدأت فيه هذا العمل،كل ما أتذكره هو أنني وجدت نفسي هنا رُفقة مجموعة من الأطفال نقضي ساعات النهار في العمل،الوضع المادي لأسرتي ليس في تلك الحالة من التدني ولا الحاجة،ومع ذلك فالجميع يحثني على المواصلة،وعدم التخلف عن ركب البقية وهم يلقون بأنفسهم أمام كل سيارة لتنظيف زجاجها،والحقيقة أننا في كثير من الأوقات لا نحصل على أي أجر،بل على امتعاض السائق وأحيانا سبابه وشتائمه”

موريتانيا التي وقعت على العديد من الاتفاقيات المجرمة لعمالة الأطفال،تؤكد الجهات المختصة فيها العمل على سلسلة أنشطة تحسيسية حول محاربة الأطفال بغية القضاء عليها في أجل مداه 2025،ولعل من أبرز هذه الاتفاقيات الاتفاقية الدولية للعمل رقم 138 المتعلقة بالسن الدنيا لتشغيل الأطفال،والاتفاقية الدولية للعمل رقم 182 المتعلقة بحظر أشكال عمل الأطفال.

إبراهيم بلال رمضان رئيس هيئة الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان التي ساعدت عشرات الأطفال في ولوج التعليم وإيجاد الطريق للمقاعد الدراسية،يتحدث عن عمالة الأطفال فيقول:
“عمالة الأطفال انتهاك لحقوق الإنسان ذلك أنه تحميل الطفل ما لا يطيقه جسمه،واستغلال ضعفه العقلي وبراءته،إضافة إلى أنها حرمان للطفل من المسار الطبيعي الذي يجب أن يتخذه تكوين وبناء شخصيته،فالطفل مولود على الفطرة والتربية بكل أبعادها ومراحلها تجعل منه ما هو مهيأ له،كذلك من نتائج عمالة الأطفال وما يترتب على ذلك من نقص في التربية إقحام الطفل في نضج زائف أو رجولة مبكرة،هذا إذا لم يسلك طريق التشرد والانحلال الخلقي والنقمة على المجتمع حين يحس بالدونية وهو يقارن نفسه وما وصل إليه بالأطفال الآخرين”

عند ذات الناصية من الشارع الرئيسي وحيث محمد گي يوجد الكثير من الأطفال الذين غزوا في الفترات الأخيرة الشوارع الرئيسية للعاصمة نواكشوط،وهم يعرضون خدماتهم المتمثلة في مسح زجاج السيارات بإذن السائق أو بدون إذنه،دون الأخذ بأي إجراء من الإجراءات الاحترازية التي قد تمنع من الإصابة بكوفيد 19،من تحاشي الاختلاط ووضع الكمامة عند التجمعات وغيرها من الإجراءات،ومن هؤلاء الأطفال باب هارون”11عاما” وقد وجد لنا من وقته ويومياته العامرة بدخان السيارات وضجيجها ما يعبر فيه عن تجربته فقال:
“عندما بدأت في التخلف عن الحصص الدراسية أخبرني الأهل أن القعود مع القاعدين في المنزل ليس خيارا متاحا،وبما أنني صغير في السن ولا أبواب كثيرة مشرعة أمامي،فقد وجدت في هذا العمل الضالة المنشودة،فهو لا يتطلب الكثير من المال ونحن نعمل بحرية دون قيد أو شرط،كل ما يتطلبه الأمر هو الحضور هنا وانتهاز الفرص،نحصل أحيانا على مبلغ خمسة آلاف أوقية “أربعة عشر دولار” رَغم أنه لا سعر ثابت،لكل سائق أن يجود بما في يده من مال لا يبلغ في الغالب دولارا واحدا”

تعمل منظمات المجتمع المدني قدر الإمكان على المساهمة في الحد من هذه الظاهرة،بتقديم يد المساعدة للأطفال والحرص على ولوج المدارس والحصول على التعليم،على غرار جمعية الطفل الخيرية،التي تعنى بتقديم الرعاية للأطفال ولذويهم من أجل ظروف كريمة،ويتحدث مسؤول الإعلام فيها عبد الله ولد اسويلم عن خطورة عمل الأطفال فيقول:
“ندرك حجم الخطورة الكامنة في توجه الأطفال للشارع بدل مقاعد الدراسة،وكيف يؤثر ذلك سلبا في عجلة التقدم التي من المتوقع أن يكونوا عنصرا فاعلا في الدفع بها للأمام،لذلك نحن نسعى بك جهد وقوة لتعليم الأطفال وتشجيعهم على الدراسة وتوعية الوكلاء حول ضرورة ذلك،إنطلاقا من أن أطفال اليوم هم رجال الغد وحاملي مشعله،وعلى الجهات المختصة وضع استراتيجيات تضمن وجود الأطفال في المدارس لا الشوارع،التي تجعلهم عرضة الانحراف والانصياع وراء ما لا تحمد عقباه”

عند سؤاله عن كوفيد والإجراءات الاحترازية قال باب هارون:
“لا أتذكر أننا أخذنا أي إجراء وقائي ضد الفيروس،مارسنا عملنا على نفس المنوال القديم،دون أي كمامة أو معقم،صحيح أن الدخل تأثر في تلك الفترة المحفورة في الذاكرة،لكن ذلك لم يمنعنا من المواصلة دون ملل،كنا في واد وكانت دعوات الجهات الصحية لأخذ الحيطة والحذر في واد”

حال باب لم يكن يختلف كثيرا عن عثمان “15 عاما” وهو يمارس عمل مسح زجاج السيارات رغم أشعة الشمس واحتمال الإصابة بكوفيد 19 ، وهو باب من الرزق لم يكن أول من طرقه ولا الأخير بكل تأكيد،وعن قصته بقول محمد:
“لدي والد كبير في السن ويحتاج لما أعود به في المساء من مسح الزجاج الذي يعود علي بدخل يتراوح بين 300 إلى 400 آلاف أوقية قديمة”حوالي 11 إلى حوالي 8 دولار”وقد دخلت هذا المجال وأنا أعتمد على القول بأن العمل كله شرف،وكان بودي بكل تأكيد أن أكمل الدراسة التي قطع حبل الود بيني وبينها بفعل الأحوال المالية لأسرتي،ومع ذلك فأنا راض بما أراده الله ولا اعتراض على إرادته عز وجل”.

تتسع شوارع العاصمة نواكشوط لتشمل بجانب السيارات الأطفال الذين بدافع أو بدونه وجدوا أنفسهم على جنبات الطريق يبحثون عن المال،في الوقت الذي يتوقع أن يكونوا على المقاعد في الحصص الدراسية،ليبقى فجر تطبيق القوانين هو أمل القضاء أو على الأقل الحد من هذه الظاهرة التي تعيق تقدم الأمم.

تم نشر هذا التقرير بدعم من JHR/JDH – صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا.